محمد بن الطيب الباقلاني
313
الإنتصار للقرآن
الصلاة بهما للسّبب الذي خطر له ، وهذا غاية التأكيد وأبلغ في النصّ على أنّهما قرآن ، فكيف يجوز أن يذهب سماع هذا أجمع وعلمه عن عبد اللّه بن مسعود وأن يخفى عليه خفاء يجوز معه إنكار كون المعوّذتين قرآنا ؟ ! وقد بيّنّا من قبل أنّه لو صحّ عن عبد اللّه جحد المعوّذتين لوجب أن يكون أصحابه أعلم الناس بذلك عنه وأنّه لم يكن من أحد منهم لفظة في هذا الباب ، بل المرويّ عن جلّتهم الإقرار بأنّهما قرآن ، وروى سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال : « قلت للأسود : أمن القرآن هما ، قال : نعم » ، يعني المعوّذتين ، وروى زائدة « 1 » وابن إدريس « 2 » عن حصين عن الشّعبيّ قال : « المعوّذتان من القرآن » ، فهذان وجهان من وجوه أصحاب عبد اللّه يخبران بأنّ المعوّذتين من القرآن ، وفي بعض ما ذكرناه أوضح برهان على كذب من ادّعى على عبد اللّه جحد كون المعوّذتين قرآنا منزلا . فإن قال قائل : جميع ما قدّمتموه من موجب العادة في إيجاب ظهور إنكار / عبد اللّه للمعوّذتين إذا كان ذلك صحيحا ، ووجوب مشاجرة الصحابة [ 193 ] له ، ووجوب علم أصحابه به وحرصهم فيه ، وإقرار ذلك من قلبه ، أو إنكاره إلى غير ذلك مما وصفتموه يقتضي بأن يكون قد كان من عبد اللّه بن مسعود أو غيره أمر اقتضى الخوض في أمر المعوّذتين وحصول كلام فيهما ، وحال أوجبت إضافة مثل هذا القول إلى عبد اللّه وأنّه لو لم يكن منه فيهما شيء لم يجب في وضع العادة إضافة جحد المعوّذتين إليه دون غيره من الصحابة
--> ( 1 ) زائدة بن قدامة الثقفي ، أبو الصلت الكوفي ، ثقة ثبت ، من السابعة ، مات سنة ستين ومائة ، وقيل بعدها . « التقريب » ( 1 : 307 ) . ( 2 ) عبد اللّه بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي ، أبو محمد الكوفي ، ثقة فقيه عابد ، من الثامنة ، مات سنة اثنتين وتسعين ومائة . « التقريب » ( 1 : 477 ) .